عبد الوهاب الشعراني

691

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وقد أنشد سيدي عمر بن الفارض رضي اللّه عنه في مجاهدة النفس : فأوردتها ما الموت ليس بعضّة * وأتعبتها كي ما تكون مريحتي ولم يبق هول دونها ما ركبته * وأشهد نفسي فيه غير زكيّتي إلى آخر ما قال . وبالجملة فلا بد لمن يريد العمل بهذا العهد من السلوك على يد شيخ صادق يسلك به حتى يدخله حضرة الأحباب ولا يبقى عنده عذاب أعظم من الحجاب ، فلو عرض على هذا النار والحجاب لاختار النار بلا حجاب وقد أنشد الشبلي في ذلك : والهجر لو سكن الجنان تحوّلت * نعم الجنان على العبيد جحيما والوصل لو سكن الجحيم تحوّلت * نار الجحيم على العبيد نعيما ومن لم يسلك على يد شيخ فمن لازمه محبة الإقامة في محل البعد وكراهة النقلة منه . وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه اللّه يقول : إن الموت يصعب على العبد ويخف بحسب علائقه في الدنيا وما خرج عن ذلك سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكمل أتباعهم ، فهم وإن حصل لهم صعوبة طلوع روح فإنما ذلك لطلبهم الإقامة في الدنيا ليكملوا مقامات أتباعهم لما جعله اللّه فيهم من الشفقة والرحمة ومحبة الخيرات لسائر أممهم ، فليس صعوبة طلوع روحهم لعلاقة دنيوية لعصمتهم أو حفظهم ، وعلى ذلك حملوا قوله صلى اللّه عليه وسلم وهو مختصر « واكرباه » فإنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن له علاقة دنيوية باجماع وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه ، فقالت عائشة رضي اللّه عنها : كلّنا نكره الموت ، قال ليس ذلك ، ولكنّ المؤمن إذا بشّر برحمة اللّه ورضوانه وجنّته أحبّ لقاء اللّه فأحبّ اللّه لقاءه ، وإنّ الكافر إذا بشّر بعذاب اللّه وسخطه كره لقاء اللّه فكره اللّه لقاءه » . وفي رواية للإمام أحمد وغيره : « فإنّ الكافر أو الفاجر إذا احتضر جاءه ما هو صائر إليه من الشّرّ ، أو ما يلقى من الشّرّ فكره لقاء اللّه فكره اللّه لقاءه » . روى ابن أبي الدنيا والطبراني وابن حبان في « صحيحه » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اللّهمّ من آمن بك وشهد أنّي رسولك فحبّب إليه لقاءك وسهّل عليه قضاءك وقلّل له من الدّنيا ، ومن لم يؤمن بك ولم يشهد أنّي رسولك فلا تحبّب إليه لقاءك ولا تسهّل عليه